ابن الجوزي

228

زاد المسير في علم التفسير

الفتل . قال المفسرون : وكان من قوته أنه قلع قريات لوط وحملها على جناحه فقلبها ، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين . قوله تعالى : ( فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ) فيه قولان : أحدهما : فاستوى جبريل ، وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، والمعنى أنهما استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله الفراء . والثاني : فاستوى جبريل ، هو - يعني جبريل - بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية ، لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل ، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على حقيقته ، فاستوى في أفق المشرق ، فملأ الأفق ، فيكون المعنى : فاستوى جبريل بالأفق الأعلى في صورته ، هذا قول الزجاج . قال مجاهد : والأفق الأعلى : هو مطلع الشمس . وقال غيره : إنما قيل له : " الأعلى " لأنه فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء . قوله تعال : ( ثم دنا فتدلى ) قال الفراء : المعنى : ثم تدلى فدنا ، ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا ، فتقول : قد دنا فقرب ، وقرب فدنا ، وشتم فأساء ، وأساء فشتم ، ومنه قوله : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، المعنى - والله أعلم - : انشق القمر واقتربت الساعة . قال ابن قتيبة : المعنى : تدلى فدنا ، لأنه تدلى للدنو ، ودنا بالتدلي ، وقال الزجاج : دنا بمعنى قرب ، وتدلى : زاد في القرب ، ومعنى اللفظتين واحد . وقال غيرهم : أصل التدلي : النزول إلى الشيء حتى يقرب منه ، فوضع موضع القرب . وفي المشار إليه بقوله : " ثم دنا " ثلاثة أقوال : أحدها ، أنه الله عز وجل . روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال : دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . وروى أبو سلمة عن ابن عباس : " ثم دنا " قال : دنا ربه فتدلى ، وهذا اختيار مقاتل . قال : دنا الرب من محمد ليلة أسري به ، فكان منه قاب قوسين أو أدنى . وقد كشفت هذا الوجه في كتاب " المغني " وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة ، لأن ذلك يختص بالأجسام ، والله منزه عن ذلك . والثاني : أنه محمد دنا من ربه ، قاله ابن عباس . والقرظي .